تقرير: باسل محمود
بعد أكثر من 13 عامًا على بدء الحرب الأهلية السورية، يجد الرئيس بشار الأسد نفسه في مواجهة تحديات غير مسبوقة، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع تحديات عسكرية داخلية وضغوط إقليمية ودولية، بحسب فاينينشيال تايمز.
ومع تصاعد هجمات المعارضة المسلحة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، يتزايد الحديث عن مستقبل النظام السوري في ظل تفاقم الصراعات الداخلية والخارجية.
تصعيد المعارضة.. اختبار حاسم للنظام السوري
شهدت سوريا الأسبوع الماضي تصعيدًا عسكريًا مُفاجئًا، حيث تمكنت مجموعات من المعارضة بقيادة \”هيئة تحرير الشام\” من السيطرة على مدينة حلب، ثاني أكبر مدينة في البلاد، خلال يومين فقط، الأمر الذي أظهر هشاشة القبضة العسكرية للنظام السوري على المناطق التي كان يسيطر عليها.
ومن ناحية أخرى، عكس التحرُّك السريع للمعارضة حالة الإحباط واليأس التي تعمّ صفوف القوات الموالية للحكومة السورية، في ظل تقارير عن انسحابات واسعة وتراجع الروح المعنوية. ووفقًا للمحللين، فإنَّ الوضع العسكري الحالي يُمثل إحدى أصعب التحديات التي واجهها الأسد منذ بداية الصراع.
ويقول تشارلز ليستر، الباحث في معهد الشرق الأوسط: \”الوحدات العسكرية الحكومية تتهاوى بسرعة، ما يثير تساؤلات حول قدرة الحكومة على استعادة السيطرة\”.
اقتصاد سوريا.. أزمة تفاقم الغضب الشعبي
بالتوازي مع التحديات العسكرية، يُعاني الاقتصاد السوري من انهيار متواصل أدى إلى تدهور مستويات المعيشة بشكل غير مسبوق، فقد كانت العقوبات الدولية، وسوء إدارة الموارد، والفساد المتجذر، عوامل أسهمت في إضعاف البنية الاقتصادية للدولة، حيث تضاعف معدل الفقر، وانهارت قيمة العملة المحلية، وأصبح السوريون يعتمدون على دعم دولي محدود لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي جهاد يازجي: \”الحكومة تواصل فرض ضرائب مرتفعة ومصادرة أملاك المواطنين، في وقت يعاني فيه السوريون من انهيار شامل في الخدمات والبنية التحتية\”.
اقرأ أيضًا: سقوط حلب.. الاقتصاد السوري يفقد قلبه النابض
تآكل الولاء للنظام السوري: علامات الغضب الداخلي
في حين كان الولاء للحكومة السورية شبه مطلق في بعض المناطق، بدأت هذه القاعدة الشعبية تُظهر علامات تآكل واضحة، وحتى المناطق العلوية الموالية تقليديًا، والتي كانت تشكل ركيزة دعم الأسد، بدأت تُعبّر عن غضبها نتيجة الفقر المتزايد وغياب التحسن في مستوى المعيشة.
بحسب تقارير، حتى داخل المؤسسات الحكومية هناك حالة من التململ بسبب تفشي الفساد وانعدام الروح المعنوية، حيث يشرف الموظفون المدنيون على دولة شبه مشلولة، حيث تقتصر الخدمات على الحد الأدنى، بينما تُرك الجيش ليواجه أزمات متفاقمة دون دعم كافٍ.
ضغط إقليمي ودولي متصاعد
على الصعيد الإقليمي، تتعرض سوريا لضغوط كبيرة من أطراف مختلفة، فقد كثّفت إسرائيل هجماتها على المواقع المرتبطة بإيران داخل سوريا، بينما تستمر أنقرة في دعم المعارضة المسلحة شمال البلاد، والتالي فإنّ دمشق تجد نفسها محاصرة بين التحركات العسكرية والضغوط الدبلوماسية.
الدول العربية، التي قادت جهودًا لإعادة إدماج الأسد في النظام الإقليمي، أظهرت ترددًا بسبب عدم تجاوب دمشق مع المطالب الدولية، بما في ذلك معالجة قضايا اللاجئين ووقف تهريب المخدرات.
على الجانب الآخر، تُبدي دول أوروبية مثل إيطاليا استعدادًا محدودًا للتقارب مع دمشق، كما ظهر من خلال إعادة فتح سفارتها في العاصمة السورية، لكن هذا التقارب لم يكن كافيًا لدفع النظام إلى تقديم تنازلات حقيقية.
اقرأ أيضًا: الصين وسوريا..شراكة استراتيجية في وقت حساس
هل أضاع الأسد فرص التفاوض لإنقاذ النظام؟
رغم الضغوط المتزايدة، أضاع الأسد فرصًا عديدة للتفاوض مع خصومه المحليين والدوليين، ففي الأشهر الماضية توسط العراق في محادثات بين دمشق وأنقرة، إلّا أنَّ الأسد رفض تقديم تنازلات بشأن قضايا أساسية مثل اللاجئين.
يرى المحللون أن رفض الأسد للانخراط في عملية سياسية تعكس استراتيجيته القائمة على الانتظار والمراهنة على دعم حلفائه، إلّا أنَّ هذه الاستراتيجية قد تأتي بنتائج عكسية مع تزايد التحديات.
ويقول مالك العبدة، المحلل السوري: \”كان بإمكان الأسد استغلال الفرصة لبناء تفاهمات تضمن مصالحه السياسية، لكنه اختار طريق التصعيد\”.
الدعم الخارجي للنظام: بين الاعتماد والمخاطر
ما زال الأسد يعتمد بشكل كبير على الدعم العسكري والاقتصادي من روسيا وإيران، إلا أن هذا الدعم يأتي بمحدودية، فمع انشغال روسيا بالصراع في أوكرانيا، تواجه دمشق تراجعًا في الدعم الروسي المباشر، بينما تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية وسياسية دولية، تعيق قدرتها على تقديم المزيد.
ورغم ذلك، تعهدت موسكو وطهران بمواصلة دعم النظام، خاصة في ضوء التطورات الأخيرة، لكن اعتماد الأسد المطلق على هذا الدعم، قد يضعه في موقف صعب إذا ما قررت أي من الدولتين إعادة تقييم موقفها أو خفض مساعداتها.
النظام السوري ومستقبل محفوف بالتحديات: إلى أين؟
مع استمرار الأزمة، يبقى السؤال الأبرز: هل يستطيع الأسد الحفاظ على موقعه دون تقديم تنازلات؟ يعتقد المحللون أن النظام قد ينجو على المدى القصير بفضل الدعم الخارجي، لكن استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية سيضعف قبضته تدريجيًا.
يرى المراقبون، أن الخيار الوحيد القابل للتطبيق على المدى الطويل، هو الانخراط في عملية سياسية شاملة، تضمن تقاسم السلطة مع المعارضة، وهي خطوة لطالما رفضها الأسد، حيث \”يمكن للأسد البقاء الآن، لكن النظام بشكله الحالي لن ينجو على المدى الطويل\”، يقول العبدة.
في ظل التحديات المتشابكة داخليًا وخارجيًا، يجد الأسد نفسه أمام مفترق طرق جديد قد يحدد مستقبل النظام السوري بأكمله، حيث تتقلص الخيارات يومًا بعد يوم، ومع كل رفض للتفاوض أو تقديم تنازلات، يزداد الضغط على دمشق.
قد يكون استمرار النظام مرهونًا بقدرته على التعامل مع هذه التحديات بواقعية سياسية، بدلاً من المراهنة على الوضع الراهن، ومع تزايد الضغط من الداخل والخارج، يبدو أن سوريا مقبلة على تغييرات جذرية لا مفر منها.








